الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

443

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فيكون مفهوم الآية الشريفة أن الأكثرية لا يمكن أن تكون وحدها الدليل على طريق الحق ، ومن هذا نستنتج أنه يجب التوجه إلى الله وحده لمعرفة طريق الحق ، حتى لو كان السائرون في هذا الطريق قلة في العدد . والدليل على ذلك يرد في الآية التالية التي تؤكد على أن الله عليم بكل شئ ولا مكان للخطأ في علمه ، فهو أعرف بطريق الهداية ، كما هو أعرف بالضالين وبالسائرين على طريق الهداية : إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ( 1 ) . هنا يبرز سؤال : يفهم من الآية أن الله سبحانه أعلم بطريق الهداية ، فهل هناك من يعلم طريق الهداية بدون هدى الله حتى كون الله هو الأعلم ؟ ! والجواب : إن الإنسان قادر - بلا شك - أن يتوصل بعقله إلى بعض الحقائق ، ويدرك طريق الهداية والضلالة إلى حد ما ، غير أن مديات ضوء العقل لها حدود ، وقد يظل بعض الحقائق خارج نطاق تلك الحدود ، ثم إن معلومات الإنسان قد يعتورها الخطأ ، فيكون لذلك بحاجة إلى مرشدين وهداة إلهيين ، لذلك فتعبير " الله أعلم " صحيح ، وإن يكن قياسا مع الفارق . 3 لا أهمية للكثرة العددية : على العكس مما يظنه بعضهم بأن الكثرة العددية توافق الصواب دائما فإن القرآن ينفي هذا في كثير من آياته ، ولا يقيم للكثرة " العددية " أي وزن ، بل يرى - في الحقيقة - إن الكثرة " الكيفية " هي المقياس ، لا الكثرة " الكمية " على الرغم من أن المجتمعات المعاصرة لم تجد لإدارة الحياة الاجتماعية طريقا سوى

--> 1 - صيغة التفضيل تتعدى عادة بالباء ، فكان المفروض أن يقال " أعلم بمن يضل " ولكن الباء حذفت هنا و " من يضل " منصوبة بنزع الخافض .